محمد هادي معرفة
98
التفسير الأثري الجامع
وهذه النظرة الإسلاميّة لحرّيّة العقيدة ، وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشريّة . هي الّتي تتّفق مع طبيعة الإسلام ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني ؛ فغاية الوجود الإنساني هي العبادة ، ويدخل في نطاقها كلّ نشاط خير يتّجه به صاحبه إلى اللّه . وأكرم ما في الإنسان حرّيّة الاعتقاد . فالّذي يسلبه هذه الحرّيّة ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة ، يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته . ومن ثمّ يدفعه بالقتل . لذلك لم يقل : « وقاتلوهم » ، إنّما قال : وَاقْتُلُوهُمْ . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي حيث وجدتموهم ، في أيّة حالة كانوا عليها ، وبأيّة وسيلة تملكونها ، مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق أو القتل صبرا ( القتل بزجر ) . [ 2 / 5283 ] أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ قال : ارتداد المؤمن إلى الوثن أشدّ عليه من أن يقتل محقا « 1 » . [ 2 / 5284 ] وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : الفتنة الّتي أنتم مقيمون عليها أكبر من القتل « 2 » . [ 2 / 5285 ] وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : فتنة الكفر « 3 » . وعن آخرين : الفتنة الشرك « 4 » . أي الحالة الّتي عليها أهل الشرك من الزيغ والفساد في الأرض . [ 2 / 5286 ] وأخرج البخاري عن نافع عن ابن عمر ، أنّ رجلا « 5 » جاءه فقال : يا أبا عبد الرحمان ،
--> ( 1 ) الدرّ 1 : 494 ؛ الطبري 2 : 261 / 2536 ؛ القرطبي 2 : 351 ، بلفظ : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ : أي من أن يقتل المؤمن . فالقتل أخفّ عليه من الفتنة . ( 2 ) الدرّ 1 : 494 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 326 / 1727 ؛ ابن كثير 1 : 233 . ( 3 ) الطبري 2 : 262 . ( 4 ) الطبري 2 : 261 ؛ الثعلبي 2 : 88 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 326 ؛ عبد الرزّاق 1 : 314 . ( 5 ) قال ابن حجر : تقدّم في تفسير سورة البقرة ما أخرج سعيد بن منصور من أنّ السائل هو حيّان صاحب الدثنية . وروى أبو بكر النجّاد في فوائده أنّه الهيثم بن حنش . وقيل : نافع بن الأزرق . وسأذكر في الطريق الّتي بعد هذه قولا آخر . قال : ولعلّ السائلين عن ذلك جماعة ، أو تعدّدت القصّة . ( فتح الباري 8 : 232 ) .